أثار ترشح عبد العزيز بوتفليقة -الرئيس الجزائري السابق- لولاية خامسة سنة 2019، غضب الشارع الجزائري، ليخرج شباب البلد ونساؤه ورجاله وشيوخه للانتفاضة في وجه النظام الدكتاتوري الذي قمع الشعب ونهب خيراته على مدى عقود من الزمن. فتشكل حراك شعبي على نطاق واسع، تفاعل معه الجزائريون داخل وخارج بلد المليون شهيد، ولم يمتص غضبهم سوى تدخل الجيش الجزائري بقيادة الجنرال القايد صلاح، الذي انتزع استقالة الزعيم المخلوع، ليحتكر الكلمة السياسية بالجزائر أمام سلطة مدنية مؤقتة وصامتة.
ويُعد قايد صلاح أحد المقربين من بوتفليقة وذراعه الأيمن.. ومن أجل تهدئة غضب الشعب ، أمر رجل السلطة السابقة، باعتقال شقيق الرئيس المخلوع “سعيد بوتفليقة” إلى جانب أقوى رجالات إدارة الاستخبارات والأمن في الجزائر “الجنرال توفيق”، وهو ضابط من مدرسة المخابرات الروسية ، متخصص في المعلومات “المضللة”ومؤلف تاريخ الجزائر منذ عام 1990 حتى عام 2015 -سنة تقاعده-
بعدما اجتمع “سعيد بوتفليقة” أخ الرئيس المخلوع “عبد العزيز بوتفليقة” مع المسمى “الجنرال توفيق”، وذلك في حضرة ذراعه الأيمن الجنرال طرطاق، ليطلب “توفيق” من “ليامين زيروال” استعادة مفاتيح القصر الرئاسي..ارتأى “قايد صلاح” إلى إلقاء القبض عليهم والنطق بحكم الحبس في حقهم لمدة 20 سنة بتهمة التآمر ضد الدولة، ليتمكن من استرداد ثقة الشعب شيئا فشيئا حتى لزم الكل منازلهم وهدّأ الوضع من خلال حبس الجنرال “توفيق” واعتقال جل خدّام بوتفليقة آنذاك، وقام بعدها بتشكيل حكومة جديدة يرأسها الزعيم الجزائري الحالي “تبّون”.. وما أن بدأت الأمور تعود إلى نصابها، حتى توفي القايد صلاح إثر نوبة قلبية مفاجئة، يصعب تصديق صحتها لمن يفهم بشكل جيد أساليب الاحتيال لدى النظام الجزائري، فمن الواضح أنه اغتيل كي يتم تبرير الآتي من القرارات..
فمُهمته قد انتهت، وحل محله الجنرال “شنجريحا” الذي يعد بدوره واحدا من دائرة بوتفليقة، وأطلق سراح الثنائي سعيد بوتفليقة والجنرال توفيق .. وهذا ما يُفسّر سبب موت القايد صلاح، فمن غير المنطقي أن يحكم عليهم بالسجن ثم يعود ويُطلق سراحهم من جديد.. لكن من الذي خطط لهذا الأمر؟ من هو الشخص الذي يمتلك قوة القرار الحقيقية بالجزائر؟ أو بالأحرى، السؤال الذي يتعين طرحه: من يكون الجنرال “توفيق” صانع رؤساء الجارة منذ عام 1990؟؟؟

إنه محمد ميدين الملقب بـ”الجنرال توفيق”.. لقد كان شابا عسكريا نشيطا قبل أن ينضم إلى صفوف منطقة الحكم الذاتي في الجزائر العاصمة في عام 1957 أثناء معركة الجزائر العاصمة ، ويتم تجنيده من قِبَل عبد الرحمان طالب ، مُصنِّع شبكة القنابل. وتمثلت مهمته في رصد جميع تحركات رجال الشرطة الفرنسيين ومفوضيهم، حيث كان يقوم كل ليلة في سان – أوجين ، بإرسال تقاريره للمسؤولين السريين..
في عام 1961 ، انضم إلى جيش التحرير الوطني في شرق الجزائر ، قبل بضعة أشهر من نهاية الحرب. تلقى تدريبه الأول كضابط استخبارات في(.مالق)
في عام 1962 ، أنهى دورة تدريبية في المدفعية في الأردن ، ثم أخذ دورتين تدريبيتين في كوبا ويوغوسلافيا قبل أن يطير إلى الاتحاد السوفياتي لتلقي التدريب في المخابرات الروسية المعروفة باسم “فريق السجاد الأحمر”.
وعند عودته إلى الجزائر ، تم تعيينه برتبة ملازم على الحدود الجزائرية المغربية، مديرا إقليميا للأمن العسكري المنطقة التي كان يقودها آنذاك العقيد “الشادلي بنجديد” ورئيس أركانه النقيب “العربي بلخير”.
وفي عام 1978 ، تمت ترقيته إلى رتبة نقيب وضابط أمن في هذه المنطقة الحدودية وعاد بعد فترة وجيزة من التوجيه المركزي للأمن العسكري. وتولى قيادة المديرية الفرعية لأمن الجيش تحت قيادة الجنرال “لكيحل أيات” المدير المركزي لإدارة الشؤون العسكرية، وتم تعيينه سنة 1983 في طرابلس -ليبيا- ملحقا عسكريا في السفارة الجزائرية هناك.. وفي تاريخ 19 يونيو 1987 ، تم تعيينه رئيساً لإدارة شؤون الدفاع والأمن لرئاسة الجمهورية ، حيث يشغل “العربي بلخير” منصب رئيس المكتب الرئاسي للشادلي بنجديد ، وبالتالي وضع -توفيق- يده على كافة الأجهزة الأمنية في البلاد (الشرطة والدرك والأمن العسكري) حيث عمل على التنسيق بينهم..
وفي 5 ديسمبر 1988 ، أصبح عقيدا وعين الرئيس الشادلي “ميدين” مديرا مركزيا لأمن الجيش الذي حل مكان الجنرال بيتشين، وبعد استقالة الأخير في أكتوبر 1990، تولّى “توفيق” زعامة الأمن العسكري، ثمّ أقيل من سلطة هيأة الأركان العامة بانتسابهم المباشر إلى الرئاسة..
مراحل كثيرة قطعها ميدين امتلك خلالها امتيازات أخذت تتكاثر أكثر فأكثر وسلطات أكبر .. قكان له الإشراف على تعيين الوزراء والدبلوماسيين وكبار المسؤولين في الدولة ، وكذا الوزارات والإدارات والشركات العامة ، ومراقبة وسائط الإعلام وأموال الإعلانات ، والاستخبارات  وقبل كل شيء ، مكافحة الإرهاب الإسلامي ، لا شيء يفلت من أعين وكلائه والعاملين تحت سيطرته.. حتى خُوّلت له السلطات اللاتي تُخوّل عادة للنظام.. مما يعني أن ميدين ووزارته أصبحا دولة بحد ذاتها وسط دولة الجزائر، حتى أنه يتحسس من أي شيء لا يستطيع السيطرة عليه، إلا أن تقنية الضغط والحزم والتقرير في مصير الأمة لم يك بيد أحد غيره من جنرالات ولا رؤساء الجارة الشرقية.
صانع الملوك
وقد ساعد ميدين ، الذي أطلق عليه اسم” صانع الملوك” ، في دفع الشادلي بنجديد إلى الاستقالة عام 1992 بعد الانتصار الانتخابي الذي حققه الإسلاميون في الجبهة الإسلامية للإنقاذ. حيث كان وراء وصول محمد بوضياف إلى رأس الدولة (الذي اغتيل بعد ستة أشهر) ، قبل أن ينقل خليفته” علي كافي” إلى قصر المورادية -ولا يتسع المجال في هذا المقال إلى ذكر دوره في الحرب الأهلية التي عصفت بالجزائر في ذلك الوقت وفي مكافحته للجماعات الإسلامية- وكان قد أجبر ليامين زروال -رفقة خالد نزار ومحمد لاماري- على قبول الرئاسة في يناير 1994 ، ليعلن  ليامين زروال انسحابه عام 1998
وفي شهر نونبر من نفس السنة، أقام كل من الجنرال توفيق وعبد العزيز بوتفليقة اتفاقا، شهد بيت المُغتال “محمد بوضياف” تفاصيله – عندما جاء بوتفليقة لبيت أرملة بوضياف وكان توفيق بانتظاره ليخلصا بعد ساعتين من التداول، إلى تمكين الدبلوماسي السابق من الرئاسة، ليضمن الأخير غطاء سياسيا للاتفاق بين الجيش والإسلاميين من أجل إنهاء الحرب الأهلية آنذاك..
وقد استمر تأييده لبوتفليقة، ليُعاد انتخاب الأخير في عام 2004 ، وبارك خطته لتنقيح دستور عام 1996 ، الذي حصر العملية الرئاسية في فترتين ، قبل أن يدعم ترشيحه الثالث (الذي كُلّل بالانتصار). . إلا أن حفاظ ميدين على منصبه لا يمكن أن يدوم إلى الأبد، حتما سيتقاعد يوما.. متى؟؟ الإجابة على هذا السؤال هي واحدة من ألغاز “توفيق”..
عندما أصيب الرئيس الجزائري بنزيف شديد في نونبر 2005 ، سارع ميدين لنقله إلى مستشفى” فال دي غرايس”. وعندما عانى من السكتة الدماغية في أبريل 2013 ، كان أول من وصل إلى جانب سريره ، مرة أخرى ..إنه من نظم عملية إخلاء المريض إلى فرنسا,, لكن الودّ بين بوتفليقة -الأخ : سعيد- وميدين لم يستطع أن يحافظ على تماسكه بعد سنة 2013، عندما تضاربت المصالح وتوترت العلاقات بين الجنرال وأخ الرئيس..
إن الذي يعرف الجنرال توفيق، يعلم جيدا أن هذا التشنج في العلاقات بينهما ليس إلا ظاهرا يخفي وراءه خططا ما.. وقد بدا هذا واضحا عند استقالته سنة 2015، هي نفس السنة التي بدأ فيها تفكيك ما يعرف بقسم وإدارة الاستخبارات والأمن الجزائري.. فما الذي كان يخطط له الجنرال توفيق؟ ما الأوراق التي كاد أن يلعب بها فيحقق حلما دام أكثر من 30 سنة؟ -الله أعلم بذلك-..
إلا أن لطف الأقدار بعثرت نواياه، مع ظهور الحراك الشعبي، فتعرّى واقع الفساد بالبلاد.. وفي سنة 2019، عاد “رب الدزاير” إلى الواجهة -بعد أن كان قد أُقيل قبلها بـ4 سنوات- وعاد صانع الملوك ليطلب من الرئيس السابق ليمين زروال استلام الحكم، لإطفاء غضب الشعب، لكن الأخير رفض، فتدخل “قايد صلاح” وسجنه بذريعة المؤامرة.. والباقي معروف..
إن الجزائر اليوم في مفترق الطرق.. الجزائر التي كان يريدها بن بلة والشادلي بنجديد، ليست تلك التي يريدها بومدين وخالد نزار وكتبها الجنرال توفيق.. الجزائر اليوم يحكمها الحزب الوحيد -جبهة التحرير الوطني- وهو حزب العسكر، وفي المقابل ليست هناك أحزاب سياسية قوية باستثناء الإسلامية منها، وهنا يكمن الخطر الذي يهدد الجزائر والمنطقة عموما.
فالبلد اليوم يقف على الهاوية، اجتماعيا (الحراك السابق دليل على ذلك) واقتصاديا (لما تجرعه إزاء أزمة كورونا) وسياسيا.. فهل سيلعب “توفيق” بالنار ويصنع الحرب الأهلية من جديد بالجزائر؟ هل سيعلن الحرب عن طريق مرتزقة البوليساريو وتدخل البلاد الحرب من أوسع الأبواب؟ هل يعيد المجموعات الإرهابية النائمة في الجزائر إلى الواجهة -بعد أن كان قد صنعها، ليفتح الباب أمام المجموعات الإرهابية بمالي ونيجيريا وتونس وليبيا.. فيحرق المنطقة بأكملها بنار الفتنة والإرهاب والدمار؟