تُعد مهنة “المؤثر” أو “المؤثرة” التي انتشرت بشكل واسع وسريع بالمغرب، على غرار باقي الدول العربية ودول العالم، إحدى المهن المستجدة التي أحدثتها وسائل  التواصل الاجتماعي.  في بادئ الأمر، اعتمد أغلب المؤثرين عبر العالم على تقديم فيديوهات تثقيفية أو تعليمية وحققت مشاهدات بالملايين.. ثم شرعت منصة “اليوتيوب” في تعويض صانعي المحتوى عن الفيديوهات المحملة على منصتها بمبالغ مالية تحدد قيمتها عدد المشاهدات المسجلة شهريا على كل فيديو.

ما إن شرعت المنصة في تعميم تعويضاتها المالية على عموم صناع المحتوى بالعالم العربي، ويهمنا الحديث عن المغرب بشكل خاص، حتى افتتحت مئات آلاف القنوات وشرع أصحابها في تحميل فيديوهات توثق ليومياتهم وتفاصيل حياتهم الخاصة، لتحقق في ظرف وجيز ملايين المشاهدات.

قد يتقبل العقل أن تجذب الفيديوهات التي بها إفادة لعقول المشاهدين انتباههم، فتفتح بصيرتهم وتغني معارفهم، لكن المنطق لا يستسيغ أن يحقق فيديو عن “المؤخرة” أو الكلام الساقط انتباه الملايين من الغاربة، هم الذين لا يفوتون فرصة إبداء تذمرهم من جودة ما يقدمه المؤثرون وصناع المحتوى وفي نفس الوقت يشجعونهم من خلال أعداد المشتركين بقنواتهم المتصاعدة بشكل مستمر، الشيء الذي لا يترجم الآراء السلبية المعبر عنها في خانة التعليقات.

لقد أثبتت بعض النماذج من الشخصيات المشهورة “المؤثرون” التي تقدم محتويات متخصصة في السفر أو الموضة وفن الميكاب، استثناء من حيث الأعداد الحقيقية التي تجذبها صفحاتهم على الفايسبوك والانستغرام، إلا أن فيديوهاتهم على اليوتيوب قد لا تنافس من حيث عدد المشاهدات، ما يقدمه البعض الآخر من فئة “اليوتيوبرز” الذين يستبيحون أعراضهم وخصوصياتهم.

من يلقي نظرة على ترند اليوتيوب المغربي، قد يشمئز من صور بعض اليوتيوبرز ممن يُعتبرون مشاهير بحكم الشهرة التي تحققها فيديوهاتهم، بين مشاهد مخلة للحياء،  وكلام فاحش يدنس المسامع، ينسقون بينهم سيناريوهات بئيسة، يتابعها بشكل مستمر مئات آلاف المشاهدين. فهل هو انحطاط المستوى الفكري للمتتبع المغربي، أم انحراف بشع للذوق العام؟ ولعله أيضا تساهل من طرف رجال السلطة -الإلكترونية والتقنية- لما يستعرضه هؤلاء النماذج من مشاهد حميمية حتى وإن تبث زواجهم، فهل من شرعية تُحسب أمام عرض لقطات حميمة وخاصة أثناء بث حي يشاهده عموم الناس؟؟

أفظع ما في الأمر أن يتكبد عدد من المواقع الإلكترونية عناء نقل أخبارهم وتفقدها تزامنا مع كل جديد يطرحونه بقناتهم، وكأن ردائتهم تقع في صلب اهتمام المغاربة. ففي الوقت الذي يُنتظر من الصحافة والإعلام والمؤثرين الجدد أن يرقوا بعقول المشاهدين، إذا بهم يهوون بها إلى ظلمات الجهل والانحطاط، والمخيف أن سوء تأثيرهم يسيطر على الجيل الناشئ.. فهل من بشرى تُنتظر من مغرب الغد؟