إن الحرب التي قادتها بالوكالة بعض المنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام الدولية على المغرب، في إطار مزاعم التجسس القائمة على برنامج “بيغاسوس” الإسرائيلي، لهي دلالة قاطعة على تواطئ بعض  الدول الأوروبية المتمثلة في كل من إسبانيا وفرنسا وألمانيا، في سبيل ابتزاز المغرب بعد المعارك السياسية الخبيثة التي كسبها بدبلوماسية عالية.

وقد استغلت هذه الدول الثلاث، مطامع الجزائر غير المشروعة تجاه الصحراء المغربية، من أجل لفت الأنظار وتوهيم الرأي العام الدولي، أن الجزائر هي من تقف وراء هذه الحملة المغرضة. لكن في واقع الأمر، توجد العديد من الدول ممّن تُعاني حمى النجاح المغربي وتفوقه الدبلوماسي والسياسي الملحوظ في الآونة الأخيرة. فإنجازاته أضحت تُشكل تهديدا صريحا لمصالحهم، ومنافسته لها أمر غير مرغوب به في عدة مجالات، خاصة الأمني منها والاستخباراتي على وجه التحديد.

وفي قراءة سريعة لمجمل الأحداث التي طرأت في الماضي القريب، نجد أن توجه الرئيس الجزائري “تبّون” إلى ألمانيا بدعوى طلب العلاج والاستشفاء، ثم حرص إسبانيا على استقبال الإرهابي المرتزق غالي، كانا العاملان اللذان شكّلا بداية النهاية للسيناريو المطبوخ في كواليس المناورات الجزائرية الأوروبية ضد المغرب. فبعد إصابة الرئيس الجزائري بفيروس كورونا، أثار اختياره لألمانيا عدة تساؤلات، خاصة وأن كلّ من تنصّب رئيسا قبله، كان يتّجه لطلب العلاج بفرنسا. ثم أتى بعدها الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، لتزيل ألمانيا قناع البلد الصديق، وتعبّر عن رفضها القرار الأمريكي، مما يوضح مدى تناغم العلاقات الألمانية الجزائرية.

لقد دفع الموقف الألماني المغرب، للاستفسار حوله كما طرح أسئلة كثيرة بخصوص تجسس عدد من المنظمات الألمانية العاملة فوق التراب الوطني على مؤسساته العمومية، ليخرج في الأخير بقرار وقف التعامل مع السفارة الألمانية بالرباط إلى حين الرد.

ثم تأتي إسبانيا، الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، والتي غالبا ما اتّسمت علاقتها معه بالتوتر، لتُبين عن تناقض فادح وازدواجية فظيعة بين ما تخطّه كلمات خطاباتها وما تُنفّذه على أرض الواقع، حيث استقبلت المرتزق غالي على ترابها بهوية مزورة وبمباركة من حكومتها. وبفضل الاستخبارات المغربية، التي قدمت معلومات دقيقة -بخصوص استقبال الشرذمة غالي- كشفت بها الموقف الإسباني الحقيقي من المغرب، والذي دعّمته بمعارضة الاعتراف الأمريكي لسيادة المغرب على صحرائه، مطالبة الإدارة الأمريكية بمراجعة موقفها. وكانت المعلومات الاستخباراتية  قد كشفت تواطئ إسبانيا مع الجزائر من أجل حماية الإرهابي الفار، مما يدلّ على تواطئهما في عدائهما تجاه وحدتنا الترابية..

إذا كانت المواقف العدائية لألمانيا وإسبانيا وتناغمها مع الجزائر، قد ظهرت للعلن بفضل مهارة المخابرات المغربية وحنكتها، فإن الذي يصعب فهمه لحد الساعة، موقف فرنسا المبهم وغير الصريح. في الأيام القليلة الماضية، أعلنت أبواق الدولة الفرنسية الرسمية حملة تشهير شرسة وممنهجة، اتهمت فيها المغرب بالتجسس على رئيسها الفرنسي “إيمانويل ماكرون” وعدد من الشخصيات السياسية والإعلامية، عن طريق استخدام البرنامج الإسرائيلي بيغاسوس، حيث كان الهدف من ذلك محاولة تشويه صورة المغرب، مُسندة إليه صفة “الجاسوس”.

وفي واقع الأمر، فالمتتبع الذكي يعلم أنها حركة ترمي إلى تكملة حملة العداء ضد المغرب، والتي بدأت إسبانيا وألمانيا نهجها قبلا، كما أشرنا إليه سابقا. وبعد أن كانت فرنسا تدافع عن قضية المغرب الأولى، ها هي اليوم تقود حملة التشهير به، ما الدافع يا ترى؟ أ قد يكون السبب هو اتجاه المغرب إلى تنويع موارده الاقتصادية، وفتح باب الشراكات الاقتصادية النشيطة والجديدة بدلا عن فرنسا؟؟ ما مانع بلاد موليير من الاعتراف بمغربية الصحراء وفتح قنصليتها  كما فعلت أمريكا وغيرها من دول العالم، علما أنها الحليف التقليدي للمغرب؟ هل اكشفت فرنسا حصول المخابرات المغربية على معلومات من شأنها تغيير سياستها المعهودة تجاه المغرب؟ أو خطط  سرية تهدف إلى الابتزاز السياسي؟

قد يكون ما حدث مع ألمانيا وإسبانيا دفع فرنسا للشك بأن المغرب وصل لمعلومات سرية تكشف مخططات أصحاب القرار بفرنسا، فاستغلت إلى جانب الدول الثلاث الأخرى تقدّم المغرب الاستخباراتي وأعزته لبرنامج بيغاسوس للتجسس.

لقد أنقذت الاستخبارات المغربية، منذ عقود، عددا من الدول الأوروبية والأمريكية من عمليات إرهابية وكوارث حربية ودامية محققة، كما ساهمت في القبض على أكثر المجرمين خطورة على صعيد العالم، فهل كانت هذه المعلومات المحصلة قبلا عن طريق بيغاسوس أيضا؟ أو نتيجة عمليات ميدانية؟ ثم أين حضور المخابرات الفرنسية من كذبة التجسس هذه؟ ألم يعلموا بأمر التجسس على رئيسهم سوى عبر شاشات الجمهورية الفرنسية؟؟

إن التجسس ثقافة ينهجها الغرب حتى وإن لم يفلحوا في استخدامها، واعتمدوا على التدخل المغربي لتفكيك قضاياهم المستعصية، ومن جهة أخرى، فإن ثقة المغاربة في مكونات أمنهم الوطني والاستخباراتي، أكبر من الاكثراث لمزايدات الجارة وحلفائها، وحتى إن صحّ التجسس على فئات الشعب المختلفة، فلا ضرر لنا في ذلك، فإنه سبيل ضمن سُبُل حماية الوطن والمواطنين وأمنهم (ماعندنا ما نخبيو ومافكرشنا عجينة..).